ابن قيم الجوزية
81
الوابل الصيب من الكلم الطيب
عنهم عن الخوارج : منافقون هم ؟ قال : لا ، المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً . فهذا من علامة النفاق قلة ذكر الله عز وجل ، وكثرة ذكره أمان من النفاق ، والله عز وجل أكرم من أن يبتلي قلباً ذاكراً بالنفاق ، وإنما ذلك لقلوب غفلت عن ذكر الله عز وجل . ( التاسعة والستون ) إن للذكر من بين الأعمال لذة لا يشبهها شيء ، فلو لم يكن للعبد من ثوابه إلا اللذة الحاصلة للذاكر والنعيم الذي يحصل لقلبه لكفى به ، ولهذا سميت مجالس الذكر رياض الجنة ، قال مالك بن دينار : وما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل ، فليس شيء من الأعمال أخف مؤنة منه ولا أعظم لذة ولا أكثر فرحة وابتهاجاً للقلب . ( السبعون ) إنه يكسو الوجه نضرة في الدنيا ونوراً في الآخرة ، فالذاكرون أنضر الناس وجوهاً في الدنيا وأنورهم في الآخرة ، ومن المراسيل عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : « من قال كل يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ، أتى الله تعالى يوم القيامة ووجهه أشد بياضاً من القمر ليلة البدر » ( الحادية والسبعون ) إن في دوام الذكر في الطريق والبيت والحضر والسفر والبقاع تكثيراً لشهود العبد يوم القيامة ، فإن البقعة والدار والجبل والأرض تشهد للذاكر يوم القيامة ، قال تعالى : { إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها } فروى الترمذي في جامعه من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة قال : « قرأ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الآية : { يومئذ تحدث أخبارها } فقال : أتدرون ما أخبارها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها ، تقول : عمل يوم كذا كذا وكذا » قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . والذاكر لله عز وجل في سائر البقاع مكثر شهوده ، ولعلهم أو أكثرهم أن يقبلوه يوم القيامة ، يوم قيام الأشهاد وأداء الشهادات فيفرح ويغتبط بشهادتهم .